فصل: تفسير الآية رقم (22)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏191- 192‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏(‏191‏)‏ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ‏(‏192‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً‏}‏‏:‏ الَّذِينَ‏:‏ في موضع خفضٍ صفَة ل ‏{‏أُوْلِي الألباب‏}‏، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان؛ وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ ‏(‏رضي اللَّه عنها‏)‏ إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها‏:‏ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ»‏.‏

قلت‏:‏ خرَّجه أبو داود، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره‏.‏

وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يَذْكُرُونَ الله‏}‏ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي‏:‏ لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ‏.‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ

قال الغَزَّالِيُّ‏:‏ ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ‏.‏ انتهى من «الإحياء»‏.‏

ومَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ؛ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ ‏"‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض‏}‏‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ؛ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ ‏"‏ وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء‏:‏ فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ‏:‏ فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن‏:‏ الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ قَدَح الماء؛ ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له‏:‏ ما هذا يَا أبا سليمان‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه‏:‏ ‏{‏إِذِ الأغلال فِي أعناقهم والسلاسل‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 71‏]‏، فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا‏.‏

قال * ع *‏:‏ وحدثني أبي ‏(‏رحمه اللَّه‏)‏، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال‏:‏ كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو يُنْشِدُ‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر *** مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ

مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض *** كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ

يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر *** فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ

قال‏:‏ فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت عنه‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر‏.‏ انتهى‏.‏

وفي «العتبية»‏:‏ قال مالكٌ‏:‏ قيلَ لأمِّ الدَّرْداء‏:‏ ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ‏.‏ قال مالكٌ‏:‏ وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض‏}‏، قال ابنُ رُشْدٍ‏:‏ والتفكُّر مِنَ الأعمال؛ كما قاله مالك ‏(‏رحمه اللَّه‏)‏، وهو مِنْ أشرف الأعمال؛ لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ؛ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه ‏(‏عَزَّ وجَلَّ‏)‏ في فعلها‏.‏ انتهى من «الَبَيانِ والتحصيل»‏.‏

قال ابنُ بَطَّال‏:‏ إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف‏.‏ انتهى‏.‏

قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ‏:‏ الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له‏.‏

قُلْتُ‏:‏ قال بعض المحقِّقين‏:‏ وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ‏.‏

قال ابنُ عَبَّاد‏:‏ قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ ‏(‏رحمه اللَّه‏)‏‏:‏ التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين‏:‏ في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها؛ فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين‏:‏ في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين‏:‏ في الآلاء والنعماء؛ فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا‏}‏، أي‏:‏ يقولُونَ‏:‏ يا ربَّنا؛ على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد‏:‏ لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر؛ لينظروا فيه؛ فيوحِّدوك، ويعبدوك؛ فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك، عَذَّبته، وقولهم‏:‏ ‏{‏سبحانك‏}‏، أي‏:‏ تنزيهاً لك عمَّا يقول المُبْطِلُون، وقولهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‏}‏، أي‏:‏ فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ‏:‏ الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء‏.‏

قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم‏:‏ هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي‏:‏ وما أصابه من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ‏}‏‏:‏ هو من قول الدَّاعِينَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏193- 194‏]‏

‏{‏رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ‏(‏193‏)‏ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ‏(‏194‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي للإيمان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء‏:‏ يرحم اللَّه المؤمنينَ؛ ما زالُوا يقولُونَ‏:‏ رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى استجيب لهم، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره‏:‏ المنادِي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ‏:‏ المنادِي كتابُ اللَّهِ، وليس كلُّهم رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وسمعه، وقولهم‏:‏ ‏{‏مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ‏}‏، معناه‏:‏ على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد‏}‏‏:‏ إشارةٌ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 8‏]‏ فهذا وعده تعالى، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود‏.‏

قال * ص *‏:‏ قال أبو البقاء‏:‏ المِيعَادُ مصدَرٌ بمعنى الوَعْد‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏195- 198‏]‏

‏{‏فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ‏(‏195‏)‏ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ‏(‏196‏)‏ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏197‏)‏ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ‏(‏198‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ استجاب بمعنى أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ‏(‏رضي اللَّه عنها‏)‏ قَالَتْ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيةُ‏.‏ وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي‏:‏ هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر‏:‏ رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ؛ أنه قال‏:‏ مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ‏:‏ ربَّنا أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية؛ قَالَ‏:‏ لأنَّ اللَّه تعالى حكى عنهم؛ أنهم قالوا‏:‏ رَبَّنَا؛ خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه استجاب لَهُم‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ‏}‏، يعني‏:‏ في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي‏:‏ أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك على حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر‏:‏ قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ‏}‏، أي‏:‏ شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنى‏:‏ أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثى؛ إذا استَوَوْا في الطَاعة؛ وهذا يدُلُّ على أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ؛ لأن كونهم ذكراً أو أنثى، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ أو شريفٍ لا تأثير له في هذا الباب‏.‏ انتهى‏.‏

وبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ على كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلى يوم القيامة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم‏}‏‏:‏ عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله‏:‏ ‏{‏لأَكَفّرَنَّ‏}‏‏:‏ لامُ القَسَمِ، و‏{‏ثَوَاباً‏}‏‏:‏ مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ نُزِّلَتْ‏:‏ ‏{‏لاَ يَغُرَّنَّكَ‏}‏ في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ‏:‏ «لا تَظُنَّ»؛ أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد أمَّته، والتقلُّب‏:‏ التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحُرُوب، وسائرِ الآمالِ؛ وقوله‏:‏ ‏{‏نُزُلاً‏}‏‏:‏ معناه تَكْرِمَةً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ‏}‏ يحتملُ أن يريد‏:‏ خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد‏:‏ خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدُّنْيا، وفي الحديث عَنْه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ ‏"‏ قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب‏:‏ هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل‏:‏ المعنى أنها سِجْنُ المؤمن؛ لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏199- 200‏]‏

‏{‏وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏199‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏200‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خاشعين للَّهِ‏}‏، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره‏:‏ هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد عليه السلام، وأَصْحَمَة‏:‏ تفسيره بالعربيَّة‏:‏ عَطِيَّة؛ قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ‏:‏ نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ‏:‏ نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً‏}‏‏:‏ مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب؛ لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل‏:‏ معناه مصابرةُ الأعداء؛ قاله زيدُ بْنُ أسلم، وقيل‏:‏ معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر؛ قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أي‏:‏ لا تسأَمُوا وانتظروا الفَرَجَ، وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ ‏"‏‏.‏ قال الفَخْر‏:‏ والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَرَابِطُواْ‏}‏‏:‏ معناه عند الجُمْهُور‏:‏ رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي‏:‏ ارتبطوها؛ كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ‏:‏ وروى مسلمٌ في «صحيحه»، عن سلمانَ، قال‏:‏ سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان ‏"‏، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ ‏"‏، قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال‏:‏ ‏"‏ ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ ‏"‏، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ ‏"‏، وروى مسلم والبخاريُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال‏:‏ ‏"‏ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا ‏"‏ انتهى‏.‏

وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها‏.‏

قال صاحبُ «التَّذْكرة»‏:‏ وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمِينَ مُحْتَسِباً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْظَمُ أجْراً مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ؛ صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُ أَجْراً ‏"‏

، أُرَاهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً‏.‏ انتهى‏.‏

والرباط‏:‏ هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ؛ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ‏:‏ قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن»؛ لأبي حَيَّان‏:‏ معنى‏:‏ رَابِطُوا‏:‏ دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ‏.‏ انتهى‏.‏

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه»، أنَّ هذه الآيةَ‏:‏ ‏{‏اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ‏}‏، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة؛ قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال‏:‏ ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏‏:‏ ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمدُ للَّه حَقَّ حمده‏.‏

سورة النساء

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ في الآية تنبيهٌ على الصانع، وعلى افتتاحِ الوجودِ، وفيها حضٌّ على التواصل لحرمةِ هذا النَّسَب، والمرادُ بالنَّفْس آدم صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ ‏{‏واحدة‏}‏؛ على تأنيثِ لفظ النَّفْس، و«زَوجَهَا»، يعني‏:‏ حَوَّاء، قال ابن عَبَّاس وغيره‏:‏ خَلَق اللَّه آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام، فانتزع اللَّهُ إحدى أضلاعه القصيرى مِنْ شِمَاله، وقيل‏:‏ مِنْ يمينه، فَخَلَقَ منها حَوَّاء، ويَعْضُدُ هذا الحديثُ الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث، ‏{‏وَبَثَّ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ نَشَرَ؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالفراش المبثوث‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 4‏]‏ أي‏:‏ المنتشر، وفي تكرير الأمر بالتقوى تأكيدٌ لنفوس المأمورِينَ، و‏{‏تَسَاءَلُونَ‏}‏‏:‏ معْنَاه‏:‏ تتعاطَفُون به، فيقول أحدكم‏:‏ أسألكَ باللَّه، وقوله‏:‏ ‏{‏والأرحام‏}‏، أي‏:‏ واتقوا الأرحَامَ، وقرأ حمزةُ «والأَرْحَامِ» ‏(‏بالخفض‏)‏؛ عطفًا على الضميرِ؛ كقولهم‏:‏ أسألك باللَّه وبالرَّحِمِ؛ قاله مجاهد وغيره‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذه القراءةُ عند نحاة البَصْرة لا تَجُوز؛ لأنه لا يجوزُ عندهم أنْ يعطف ظَاهِرٌ على مضمرٍ مخفوضٍ إلا في ضرورة الشِّعْرِ؛ كقوله‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ

لأن الضميرَ المخفوضَ لا ينفصلُ؛ فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرفٍ، واستسهلَ بعضُ النحاة هذه القراءة‏.‏ انتهى كلام * ع *‏.‏

قال * ص *‏:‏ والصحيحُ جوازُ العَطْف على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجَارِّ؛ كمذهب الكوفيِّين، ولا تُرَدُّ القراءة المتواترةُ بمثل مذهب البصريِّين، قال‏:‏ وقد أمعنَّا بالكلامَ عليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏ انتهى، وهو حسنٌ، ونحوه للإمام الفَخْر‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً‏}‏‏:‏ ضرْبٌ من الوعيدِ، قال المُحَاسِبِيُّ‏:‏ سألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسى، فقلْتُ‏:‏ أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ‏؟‏ فقال‏:‏ إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ، فَألْزِمْ نفْسَكَ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك؛ في حركَتِك، وسكونِكِ، وجميعِ أحوالِكِ؛ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ ‏(‏عزَّ وجلَّ‏)‏ في جميعِ تقلُّباتك، وإنَّك في قبضته؛ حيث كُنْتَ، وإنَّ عين اللَّه على قلبك، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ، فهذه الصفةُ، يا فتى، بحْرٌ ليس له شطٌّ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ‏.‏ انتهى من كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 3‏]‏

‏{‏وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ‏(‏2‏)‏ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ‏(‏3‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَءاتُواْ اليتامى أموالهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال ابنُ زَيْدٍ‏:‏ هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد، وقالتْ طائفة‏:‏ هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ‏.‏

قال ابنُ العَرَبِيِّ‏:‏ وذلك عند الابتلاء والإرشاد‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب‏}‏، قال ابن المسيِّب وغيره‏:‏ هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل‏:‏ المراد‏:‏ لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا‏.‏

والطَّيِّب هنا‏:‏ الحلالُ، والخَبِيثُ‏:‏ الحرامُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إلى أموالكم‏}‏‏:‏ التقدير‏:‏ ولا تُضِيفُوا أموالهم إلى أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ»‏:‏ عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ‏:‏ الإثم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ؛ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه؛ لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه‏:‏ الدُّخُول في الشَّيْء؛ ك «تَعَبَّد»، و«تَكَسَّبَ»، وما أشبهه؛ ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حطاما فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 65‏]‏ أيْ‏:‏ تُطَرِّحُونَ الفَكَاهَة عَنْ أنفسكم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَبِيراً‏}‏‏:‏ نصٌّ على أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال أبو عُبَيْدَةِ‏:‏ خِفْتُم ههنا بمعنى أيْقَنْتُمْ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ؛ قُلْتُ‏:‏ وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه‏:‏ وعن أبي عُبَيْدة‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ‏}‏‏:‏ مجازه‏:‏ أيْقَنْتُمْ، قال أبو جعفر‏:‏ بل هو على ظَاهِرِ الكلمةِ‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏تُقْسِطُواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تَعْدِلُوا؛ يقال‏:‏ أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار؛ قالتْ عائشةُ ‏(‏رضي اللَّه عنها‏)‏‏:‏ نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر؛ لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم‏:‏ اقسطوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة‏.‏

قال الحسَنُ وغيره‏:‏ ‏{‏مَا طَابَ‏}‏‏:‏ معناه ما حلَّ‏.‏

وقيلَ‏:‏ «ما» ظرفيةٌ، أي‏:‏ ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ؛ قُلْتُ‏:‏ وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله‏.‏

قال الإمام الفَخْر‏:‏ وفي تفسير ‏{‏مَا طَابَ‏}‏ بِما حَلَّ نَظَرٌ؛ وذلك أنَّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوا‏}‏‏:‏ أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله‏:‏ ‏{‏مَا طَابَ لَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ ما حَلَّ لكم لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ‏:‏ أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحاً لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ؛ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى؛ لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص، والمُجْمَلُ لا يكونُ حُجَّةً أصلاً‏.‏

انتهى، وهو حَسَنٌ، و‏{‏مثنى وثلاث وَرُبَاعَ‏}‏‏:‏ موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ»، وهي نكراتٌ لا تنصرفُ؛ لأنها معدولةٌ وصِفَة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فواحدة‏}‏، أي‏:‏ فانكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنى‏:‏ إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين؛ إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ؛ أَلاَ ترى أنَّها المُنْفِقَة؛ كما قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ‏"‏، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة‏.‏

قال ابن العَرَبِيِّ‏:‏ قال علماؤُنَا‏:‏ وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ؛ لأنَّ المعنى‏:‏ فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فانتفى بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم‏.‏ انتهى من «الأحكام»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ‏}‏، أدنى‏:‏ معناه‏:‏ أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ‏:‏ ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره، وقالَتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ أدنى ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ‏(‏4‏)‏ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عَبَّاس وغيره‏:‏ الآيةُ خطابٌ للأزواج وقال أبو صَالِحٍ‏:‏ هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ؛ لأنَّ عادَةَ بَعْض العَرَب كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام، وقيل‏:‏ إن الآية في المتشاغِرِينَ الذين يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المُهُورَ‏.‏

قال * ع *‏:‏ والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي‏:‏ عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل‏:‏ نِحْلَة‏:‏ معناه‏:‏ شِرْعَة؛ مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل‏:‏ التقديرُ‏:‏ نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ؛ قال ابنُ العَرَبِيِّ‏:‏ وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة‏:‏ العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلاف، والمعنى‏:‏ إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في «مِنهُ» يعود علَى الصَّدَاقِ؛ قاله عكرمةُ وغيره، «ومَنْ»‏:‏ تتضمَّن الجِنْس ههنا؛ ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَنِيئاً مَّرِيئاً‏}‏‏:‏ قال اللغويُّون‏:‏ الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ؛‏:‏ وكذلك المريءُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم‏}‏، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره‏:‏ نَزَلَتْ في كلِّ مَنِ اقتضى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان، وقولُه‏:‏ ‏{‏أموالكم‏}‏، يريد‏:‏ أموالَ المخاطَبِينَ؛ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم، وقال ابنُ جُبَيْر‏:‏ يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هى كأموالهم، و‏{‏قِيَاماً‏}‏ جمع قِيمَة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وارزقوهم فِيهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ فِيمَنْ تلزم الرَّجُلَ نفقتُهُ، وقيل‏:‏ في المحجُورِينَ مِنْ أموالهم، و‏{‏مَّعْرُوفاً‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ ادعوا لهم، وقيل‏:‏ معناه‏:‏ عِدُوهُمْ وَعْداً حَسَناً، أي‏:‏ إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة‏:‏ كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأْنس إلَيْه، ويقتضيه الشَّرْع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ‏(‏6‏)‏ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‏(‏7‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وابتلوا اليتامى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الابتلاءُ‏:‏ الاختبارُ، و‏{‏بَلَغُواْ النّكَاحَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه‏:‏ جَرِّبوا عقولهم، وقَرَائِحهم، وتصرُّفهم، و‏{‏ءانَسْتُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ ‏(‏رحمه اللَّه‏)‏ يرَى الشَّرْطَيْن البُلُوغَ والرُّشد المختَبَرَ، وحينئذٍ يدفع المال‏.‏

قال * ع *‏:‏ والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ على بني آدم؛ أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال‏:‏ إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ؛ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ على ذلك؛ لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء ب «إذَا»، والمشروطُ جاء ب «إنْ» التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، «وإذا» ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس‏:‏ الرُّشْد في العقلِ وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ؛ وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا‏.‏

وقال الحَسَنُ، وقَتَادة‏:‏ الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ؛ وهو روايةٌ أيضًا عن مالك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ‏}‏‏:‏ نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامى بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ‏:‏ الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف‏:‏ الخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَاراً‏:‏ معناه‏:‏ مُبَادَرَةً كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا‏:‏ نَصْبٌ ب «بِدَار»، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ‏}‏، يقال‏:‏ عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، واستعف، إذا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ؛ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف‏.‏

واختلف العلماءُ في حَدِّ ‏{‏المعروف‏}‏، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف؛ إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه، قُلْتُ‏:‏ يقال للقَطِرَانِ‏:‏ الهَنا؛ في لغة العرب؛ كذا رأيته مَنْصُوصاً عليه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ‏}‏‏:‏ أمْرٌ من اللَّه تعالى بالتحرُّز والحَزْم، وهذا هو الأَصْل في الإشهاد في المَدْفُوعات كلِّها؛ إذا كان حَبَسَهَا أوَّلاً معروفاً‏.‏

قال * ع *‏:‏ والأظهر أنَّ ‏{‏حَسِيباً‏}‏ هنا‏:‏ معناه‏:‏ حَاسِباً أعمالكم، ومجازياً بها، ففِي هذا وعيدٌ لكلِّ جاحدِ حَقٍّ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لِّلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال قتادة وغَيْره‏:‏ سبَبُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّ العرب كَانَ منْها مَنْ لا يُوَرِّثُ النساءَ، ويقولونَ‏:‏ لا يَرِثُ إلاَّ مَنْ طَاعَنَ بالرُّمْحِ، وقَاتَلَ بالسَّيْف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف فِيمَنْ خُوطِبَ بهذه الآية، فقيل‏:‏ الخطابُ للوارِثِينَ، وقيل‏:‏ للمحتَضَرِينَ؛ والمعنى‏:‏ إذا حضَرَكُم المَوْتُ، أيَّها المؤمنون، وقَسَمْتم أموالكم بالوصيَّة، وحَضَرَكُمْ مَنْ لا يرثُ مِنْ ذوي القرابةِ، واليتامى، فارزقوهم منه؛ قاله ابن عبَّاس وغيره‏.‏

واختلف، هَلْ هِيَ منسوخةٌ بآية المواريثِ، أو هِيَ مُحْكَمَةٌ‏؟‏ وعلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، فهل الأمر على الوُجُوب، فيعطى لهم ما خَفَّ، أو على النَّدْب‏؟‏ خلافٌ‏.‏

والضميرُ في قوله‏:‏ ‏{‏فارزقوهم‏}‏، وفي قوله‏:‏ ‏{‏لَهُمْ‏}‏‏:‏ عائدٌ على الأصنافِ الثلاثةِ، والقولُ المعروفُ‏:‏ كلُّ ما يتأَنَّس بِهِ؛ مِنْ دعاءٍ، أو عِدَةٍ، أَوْ غير ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ‏(‏9‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف، مَنِ المرادِ في هذه الآيةِ‏؟‏ فقال ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ المرادُ‏:‏ مَنْ حَضَر ميتاً حين يوصِّي، فيقول له‏:‏ قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم‏:‏ كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فاخشوا على ورثة غَيْرِكُمْ، ولا تَحْمِلُوه على تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ‏:‏ نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ‏:‏ أمْسِكْ على ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربى، واليتامى، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصى له؛ فقيل لهم‏:‏ كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم؛ فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامى والمساكين‏.‏

قال * ع *‏:‏ والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ؛ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني؛ وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ على أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ؛ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمراعى إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه‏.‏

وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً‏:‏ المرادُ بالآية‏:‏ ولاة الأيْتَامِ، فالمعنى‏:‏ أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم؛ كما تخافُونَ على ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك‏.‏

وقالَتْ‏:‏ فرقةٌ‏:‏ بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنى‏:‏ أمرهم بالتقوى في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم؛ كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ‏:‏ معناه‏:‏ المُصِيبُ للحَقِّ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامى، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ؛ منها‏:‏ حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريِّ، قال‏:‏ حَدَّثَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ‏:‏ ‏"‏ رَأَيْتُ قَوْماً لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ‏:‏ يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ‏"‏‏.‏ قُلْتُ‏:‏ تأمَّل ‏(‏رحمك اللَّه‏)‏ صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في «الموطأ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثنين، وَلَجَ الجَنَّةَ‏:‏ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ‏"‏‏.‏ قَالَ أبُو عُمَر بْنُ عبدِ البَرِّ في «التمهيد»‏:‏ ومعلوم أنه أراد صلى الله عليه وسلم ما بَيْن لَحْيَيْهِ‏:‏ اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه‏:‏ الفَرْج، واللَّه أعلم‏.‏

ولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه؛ أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ على أبِي بَكْرٍ ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر‏:‏ مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ‏:‏ إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ، قال أبو عمر‏:‏ وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر‏:‏ وعَنْ أبي هُرَيْرة‏:‏ إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ‏:‏ البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سَهْل بن سَعْد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة ‏"‏، ومن طريق جابر نحوه‏.‏ انتهى‏.‏

والصّلى‏:‏ هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحَرْقُ ليس بصَالٍ إلاَّ في بدء أمره، وأهْلُ جهنَّم لا تُذْهِبُهم النَّار، فهم فيها صَالُونَ ‏(‏أعاذنا اللَّه منها بجُودِهِ وكَرَمِهِ‏)‏، والسعير‏:‏ الجَمْر المُشْتَعِلُ‏.‏ وهذه آية من آياتِ الوَعيد، والَّذي يعتقدُه أهل السُّنَّة أنَّ ذلك نافذٌ على بعض العُصَاة؛ لَئِلاَّ يقع الخَبَر بخلافِ مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏11‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل‏:‏ نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ‏.‏

وقيل‏:‏ بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين‏}‏ أي‏:‏ حظ مثل حظ الأنثيين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَوْقَ اثنتين‏}‏، معناه‏:‏ اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما؛ بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس؛ أنه يرى لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختَيْنِ؛ وبحديث التِّرْمِذِيِّ؛ «أنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بِالثُّلُثَيْنِ»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَراً كان أو أنثى، ‏{‏فَلأُمِّهِ الثلث‏}‏، أي‏:‏ وللأبِ الثُّلُثَانِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس‏}‏، أي‏:‏ كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ على أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه؛ وكذا أجْمَعُوا على أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس؛ مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في حُكْمِ الواحد‏.‏

وقدَّم الوصيةَ في اللفظ؛ اهتماما بها، وندباً إليها؛ إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن؛ وأيضاً‏:‏ قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ؛ وأيضاً‏:‏ قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن؛ لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ‏}‏ رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره‏:‏ هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة‏.‏

قال ابن زَيْد‏:‏ ‏{‏لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً‏}‏، يعني‏:‏ في الدنيا والآخرة، قال الفَخْر‏:‏ وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يَميلُ إليه الطَّبْع‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ‏(‏12‏)‏ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏13‏)‏ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها‏:‏ هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ‏:‏ خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ؛ هذا هو الصحيحُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الإِجماع على أن الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة‏.‏

وقرأ سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص‏:‏ «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ»، والأنثى والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏غَيْرَ مُضَارٍّ‏}‏، قال ابن عبَّاس‏:‏ «الضِّرَارُ في الوصية مِنَ الكَبَائر» ورواه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تعالى فِي وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ‏"‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ؛ مِنْ ذلك‏:‏ أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏غَيْرَ مُضَارٍّ‏}‏‏:‏ منصوبٌ على الحالِ‏:‏ أي‏:‏ غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ‏.‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وتقدير أبي حَيَّان‏:‏ «وَرَثَتَهُ» يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية؛ إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال‏:‏ «غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم»، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُدُودُ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «تِلْكَ»‏:‏ إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريثِ، وباقِي الآية بَيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ‏(‏15‏)‏ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَائِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الفَاحِشَةُ؛ في هذا الموضِعِ‏:‏ الزِّنَا، وقوله‏:‏ ‏{‏مِّن نِّسَائِكُم‏}‏، إضافةٌ في معناها الإسلام، وجعل اللَّه الشهادة علَى الزِّنَا خاصَّة لا تَتِمُّ إلا بأربعةِ شُهَدَاءَ، تَغْلِيظاً على المُدَّعي، وسَتْراً على العبادِ‏.‏

قلت‏:‏ ومن هذا المعنى اشتراط رُؤْية كَذَا في كَذَا؛ كَالمِرْوَدِ في المُكْحُلَة‏.‏

قال * ع *‏:‏ وكانَتْ أولُ عقوبة الزُّنَاةِ الإمْسَاكَ في البُيُوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذَى الَّذي بَعْده، ثم نُسِخَ ذلك بآية النُّور وبالرَّجْمِ في الثَّيِّب؛ قاله عبادة بنُ الصَّامت وغيره، وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن؛ أنه قَالَ‏:‏ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً؛ البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ‏"‏، خرَّجه مُسْلِم، وهو خَبَرٌ آحادٌ، ثم ورد في الخَبَر المتواتِرِ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم رَجَمَ، وَلَمْ يَجْلِدْ، فَمَنْ قال‏:‏ إن السُّنَّة المتواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرآن، جعَلَ رَجْمَ الرسول دُونَ جَلْدٍ ناسخاً لجَلْدِ الثيِّب، وهذا الذي عليه الأَمَّة؛ أنَّ السُّنَّة المتواترة تَنْسَخُ القُرآن؛ إذ هما جميعاً وحْيٌ من اللَّه سبحانَهُ، ويوجِبَانِ جميعاً العِلْم والعَمَل‏.‏

ويتَّجه عندي في هذه النَّازلة بعَيْنها أنْ يُقَالَ‏:‏ إن الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْد هو القرآن المتَّفَقُ على رَفْعِ لفظه، وبقاءِ حُكْمه في قوله تعالى‏:‏ «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فارجموهما أَلْبَتَّةَ»، وهذا نصٌّ في الرجم، وقد قَرَّره عمر على المِنْبر بمَحْضَر الصَّحابة، والحديثُ بكماله في مُسْلم، والسُّنَّةُ هي المبيِّنة، ولفظُ «البخاريِّ»‏:‏ «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً؛ الرَّجْمُ لِلثَّيِّب، وَالجَلْدُ لِلْبِكْرِ»‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذان يأتيانها مِنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال مجاهدٌ وغيره‏:‏ الآيةُ الأولى في النساء عموماً، وهذه في الرِّجال، فعقوبةُ النِّساء الحَبْسُ، وعقوبةُ الرِّجَالِ الأذى، وهذا قولٌ يقتضيه اللَّفْظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّنَاة عامَّة؛ ويؤيِّده مِنْ جهة اللفظ قولُه في الأولى‏:‏ ‏{‏مّن نِّسَائِكُمُ‏}‏، وقوله في الثانية‏:‏ ‏{‏مّنكُمْ‏}‏، وأجمع العلماءُ على أنَّ هاتين الآيتين منُسْوخَتَانِ؛ كما تقدَّم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏17‏)‏ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية

قال * ص *‏:‏ التوبةُ‏:‏ مبتدأٌ؛ على حذفِ مضافٍ، أي‏:‏ قَبُولُ التوبةِ‏.‏ انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ «إنَّمَا»‏:‏ حاصرةٌ، وهو مَقْصد المتكلِّم بها أبداً، فقد تصادِفُ من المعنى ما يقتضي العَقْلُ فيه الحَصْر؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الله إله واحد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، وقد لا تصادف ذلك؛ كقوله‏:‏ «إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ»، وهي في هذه الآية حاصرةٌ؛ إذ ليستِ التوبةُ إلا لهذا الصِّنْف المذكور، وتصحُّ التوبة، وإن نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حَالٍ بمعاودَةِ الذنْبِ، فإنَّ التوبة الأولى طاعةٌ قد انقضت وصحَّت، وهو محتاجٌ بعد مواقعة الذَّنْب إلى توبةٍ أخرى مستأنَفَةٍ، وتصحُّ أيضاً التوبةُ من ذَنْب مع الإقامة على غيره من غير نَوْعِهِ، خلافاً للمُعْتَزِلَة في قولهم‏:‏ لا يكُونُ تائباً مَنْ أقام على ذَنْب‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَى الله‏}‏، أي‏:‏ على فَضْلِ اللَّه ورحْمتِهِ لعبادِهِ، وهذا نَحْوُ قولِهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ ‏"‏، إنما معناه‏:‏ ما حقُّهم على فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، والعقيدةُ أنَّه لا يجبُ على اللَّه تعالى شيْءٌ عقلاً، و‏{‏السوء‏}‏؛ في هذه الآية‏:‏ يعمُّ الكُفْرَ والمعاصِيَ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِجَهَالَةٍ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بسفاهةٍ، وقلَّةِ تحصيلِ أدى إلى المعصية، وليس المعنى أنْ تكونَ الجَهَالَةُ بِأنَّ ذلِك الفِعْلَ معصيةٌ؛ لأنَّ المتعمِّد للذُّنوبِ كان يَخْرُجُ من التَّوْبَةِ، وهذا فاسدٌ إجماعاً، وما ذكرتُهُ في الجَهَالة قاله أصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ذَكَرَ ذلك عَنْهم أبو العَالِيَةِ، وقال قتادةُ‏:‏ اجتمع أصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ، فَهِيَ بِجَهَالَةٍ، عَمْداً كانَتْ أو جهلاً؛ وقال به ابنُ عَبَّاس، ومجاهد، والسُّدِّيُّ، وروي عن مجاهدٍ والضَّحَّاك؛ أنهما قالا‏:‏ الجَهَالَةُ هنا العَمْد، وقال عِكْرِمَةُ‏:‏ أمور الدنيا كلُّها جهالة‏.‏

قال * ع *‏:‏ يريد الخاصَّة بها الخارِجَةَ عَنْ طاعة اللَّه سبحانه، وهذا المعنى عندي جَارٍ مع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 20‏]‏‏.‏

واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن قَرِيبٍ‏}‏‏.‏

فقال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ‏:‏ معنى ذلك‏:‏ قَبْلَ المَرَضِ والموتِ، وقال الجمهورُ‏:‏ معنى ذلك قَبْلَ المعايَنَةِ للملائِكَةِ والسَّوْق، وأن يُغْلَبَ المَرْءُ على نفسه، وروى أبو قِلاَبَةَ؛ أنَّ اللَّه تعالى لَمَّا خَلَقَ آدم فَرَآهُ إبْلِيسُ أَجْوَفَ، ثُمَّ جرى لَهُ مَا جرى، ولُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ‏:‏ وَعِزَّتِكَ، لاَ بَرِحْتُ مِنْ قَلْبِهِ، مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ، فقَالَ اللَّه تعالى‏:‏ ‏"‏ وَعِزَّتِي لاَ أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَام فِيهِ الرُّوحُ ‏"‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ فابنُ عبَّاس ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏ ذكَرَ أحسن أوقاتِ التوبة، والجمهورُ حَدُّوا آخر وقتها، وروى بَشِيرُ بْنُ كَعْب، والحَسَنُ؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏

«إنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، وَيُغْلَبْ على عَقْلِهِ»‏.‏ قال * ع *‏:‏ لأنَّ الرجاءَ فيه باقٍ، ويصحُّ منه النَّدَمِ والعَزْم على التركِ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن قَرِيبٍ‏}‏، إنما معناه‏:‏ مِنْ قريبٍ إلى وقْت الذَّنْبِ، ومُدَّةُ الحياةِ كلِّها قريبٌ، والمبادرةُ في الصِّحَّة أفضلُ، قلت‏:‏ بل المبادرة واجبَةٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الله عَلِيماً‏}‏، أي‏:‏ بمَنْ يتوبُ، ويُيَسِّره هو سبحانه للتَّوْبَة ‏{‏حَكِيماً‏}‏‏:‏ فيما ينفذه من ذلكَ، وفي تَأْخِيرِ من يُؤَخِّر حتى يَهْلِكَ، ثم نفى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَتِ التوبة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أنْ يدخُلَ في حُكْم التائبين مَنْ حضره موتُهُ، وصار في حَيِّز اليأس؛ كما كان فرعونُ حِينَ صار في غَمْرة المَاءِ، والغَرَقِ، فلم ينفعْهُ ما أظهره من الإيمان؛ وبهذا قال ابنُ عَبَّاس وجماعةُ المفسِّرين‏.‏

قال * ع *‏:‏ والعقيدةُ عندي في هذه الآيات‏:‏ أن مَنْ تاب مِنْ قريبٍ، فله حُكْمُ التائب، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ عليه؛ أنه ينعَّم ولا يعذَّب؛ هذا مذهبُ أبي المَعَالِي وغيره‏.‏

وقال غيرهم‏:‏ بل هو مغفُورٌ له قطعاً لإخبار اللَّه تعالى بذلك، وأبو المَعَالِي يجعل تلْكَ الأخبار ظَوَاهِرَ مشروطةً بالمَشِيئَةِ، ومَنْ لَم يَتُبْ حتى حضره المَوْت، فليس في حُكْم التائبين، فإنْ كان كافراً، فهو يخلَّد، وإن كان مؤمناً، فهو عاصٍ في المشيئة، لكنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عليه، ويَقْوَى الظنُّ في تعذيبه، ويُقْطَعُ من جهة السمْع؛ أنَّ مِنْ هذه الصَّنِيفَةِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّه تعالى لَهُ؛ تفضُّلاً منه لا يعذِّبه‏.‏

وأَعْلَمَ اللَّه تعالى أيضاً؛ أنَّ الذين يموتُونَ، وهم كفَّار؛ فلا مُستعْتَبَ لهم، ولا توبةَ في الآخِرَةِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏‏:‏ إنْ كانتِ الإشارة إلى الذين يموتُونَ، وهم كفَّار، فقَطْ، فالعذَابُ عذَابُ خلودٍ مؤبَّد، وإنْ كانَتِ الإشارة إليهم وإلى مَنْ ينفذ علَيْه الوعيدُ مِمَّنْ لا يتُوبُ إلاَّ مع حضورِ المَوْت، فهو في جهة هؤلاءِ عَذَابٌ لا خلود معه، ‏{‏وَأَعْتَدْنَا‏}‏ معناه‏:‏ يسَّرناه وأحْضَرْناه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 21‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ‏(‏19‏)‏ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ‏(‏20‏)‏ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عَبَّاس‏:‏ كانوا في الجاهليَّة، إذا مات الرجُلُ كانَ أولياؤه أحَقَّ بامرأته مِنْ أهلها، إنْ شاؤوا تزوَّجها أحدُهُم، وإن شاؤوا زوَّجوها مِنْ غيرهم، وإن شاؤوا مَنَعُوهَا الزَّوَاج، فنزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ‏.‏

وقال بعضُ المتأوِّلين‏:‏ معنى الآية‏:‏ لا يحلُّ لكم عَضْل النساءِ اللواتِي أنْتُم أولياء لهنَّ، وإمساكُهُنَّ دون تزويجٍ؛ حتى يَمُتْنَ، فتورَثُ أموالُهُنَّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ فعلى هذا القولِ‏:‏ فالموروث مالُهَا، لا هِيَ؛ وروي نَحْوَ هذا عن ابْنِ عَبَّاس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابنُ عبَّاس وغيره‏:‏ هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كَانُوا يَرِثُون المرأةَ، لأنهم كانوا يتزوَّجونها؛ إذا كانَتْ جميلةً، ويمسِكُونها حتى تموتَ؛ إذا كانت دميمةً؛ وقال نحوَهُ الحَسَن، وعِكْرِمَة، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً‏:‏ هي في الأزواج في الرَّجُل يُمْسِكُ المرأَةَ، ويسيءُ عِشْرتها؛ حتى تَفْتَدِيَ منه؛ فذلك لا يحلُّ له، وقَالَ مثلَهُ قتادةَ، وهو أقوى الأقوال؛ ودليل ذلك‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ‏}‏، وإذا أتَتْ بفاحشةٍ، فليس للوليِّ حَبْسُهَا حتَّى يذهب بمالِهَا؛ إجماعاً من الأُمَّة، وإنما ذلك للزَّوْج على ما سنبيِّنه الآن ‏(‏إن شاء اللَّه‏)‏، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏عَاشِرُوهُنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية، يظهر منه تقويةُ ما ذكرته‏.‏

واختلِفَ في معنى «الفَاحِشَةِ» هنا، فقال الحسَنُ بنُ أبي الحَسَن‏:‏ هو الزِّنَا، قال أبو قِلاَبَةَ‏:‏ إذا زنَتِ امرأة الرجُلِ، فلا بأس أنْ يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها؛ حتى تَفْتَدِيَ منْه، وقال السُّدِّيُّ‏:‏ إذا فعلْنَ ذلك، فَخُذُوا مهورَهُنَّ‏.‏

قلْتُ‏:‏ وحديثُ المتلاعنَيْن يضعِّف هذا القولَ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فَذَاكَ بِمَا استحللت مِنْ فَرْجِهَا‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث‏.‏

وقال ابنُ عبَّاس وغيره‏:‏ الفاحشةُ في هذه الآية‏:‏ البُغْضُ والنُّشُوز؛ فإذا نَشَزَتْ، حلَّ له أنْ يأخذ مالَهَا‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهو مذهبُ مالكٍ‏.‏

وقال قوم‏:‏ الفاحشةُ‏:‏ البَذَاء باللِّسان، وسوءُ العِشْرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنَى النُّشُوز‏.‏

قال * ع *‏:‏ والزنا أصعَبُ علَى الزَّوْج من النُّشُوز والأذى، وكُلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أَخْذَ المالِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف‏}‏‏:‏ أمرٌ يعمُّ الأزواجَ والأولياءَ، ولكنَّ المتلبِّس في الأغلب بهذا الأمر الأزواجُ، والعِشْرَةُ‏:‏ المخالطةُ والممازجة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً‏}‏، قال السُّدِّيُّ‏:‏ الخيرُ الكثيرُ في المرأة الولَدُ، وقال نحوَهُ ابْنُ عَباس‏.‏

قال * ع *‏:‏ ومِنْ فصاحة القرآن العمومُ الذي في لفظَةِ «شَيْء»؛ لأنه يطَّرد هذا النَّظَرُ في كلِّ ما يكرهه المرءُ ممَّا يجمُلُ الصبْرُ عليه، ويحسُنُ، إذ عاقبةُ الصَّبْرِ إلى خيرٍ، إذا أريد به وَجْهُ اللَّهِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ‏.‏

‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لما مضى في الآية المتقدِّمة حُكْمُ الفِرَاقِ الذي سبَبَهُ المرأةُ، وأنَّ للزوج أخْذَ المالِ منْها، عَقَّبَ ذلك بِذكْرِ الفِراقِ الذي سبَبَه الزَّوْجُ، والمَنْع من أخْذ مالها مع ذلك‏.‏

وقال بعضُ النَّاس‏:‏ يؤخَذُ من الآية جوازُ المُغَالاة بالمُهُور، وقال قوم‏:‏ لا تُعْطِي الآيةُ ذلك؛ لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغةِ‏.‏

والبُهْتان‏:‏ مصدر في موضعِ الحالِ، ومعناه‏:‏ مُبْهتاً، ثم وعَظَ تعالى عباده، و‏{‏أفضى‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بَاشَرَ، وقال مجاهدٌ وغيره‏:‏ الإفْضَاءُ في هذه الآية‏:‏ الجماعُ، قال ابنُ عَبَّاس‏:‏ ولكنَّ اللَّه كريمٌ يَكْنِي‏.‏

واختلف في المراد بالميثاقِ الغَليظِ‏.‏

فقال الحسن وغيره‏:‏ هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 229‏]‏ وقال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ‏:‏ الميثاقُ الغليظُ‏:‏ عُقْدةُ النِّكاحِ، وقولُ الرَّجُلِ‏:‏ نَكَحْتُ، ومَلَكْتُ النِّكاحَ، ونحوه، فهذه التي بها تستحلُّ الفرُوج‏.‏

وقال عكرمة، والرَّبيع‏:‏ الميثاقُ الغليظُ يفسِّره قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «استوصوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً فَإنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، واستحللتم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ‏(‏22‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏‏:‏ سبب الآيةِ ما اعتادته بعضُ قبائلِ العَرَبِ أنْ يَخْلُفَ ابنُ الرَّجُلِ على امرأةِ أَبِيهِ، وقد كان في العَرَب من تَزَوَّجَ ابنته، وهو حَاجِبُ بْنُ زُرارة‏.‏

واختلف في مقتضى ألفاظ الآية‏.‏

فقالَتْ فرقةٌ‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مَا نَكَحَ‏}‏، يريد‏:‏ النساءَ، أي‏:‏ لا تنكحوا النساءَ اللواتي نكَحَ آباؤكم، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏، معناه‏:‏ ولكنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَدَعُوهُ، وقال بعضهم‏:‏ المعنى‏:‏ لكنْ ما قد سَلَفَ، فهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَنْ كان واقَعَهُ، فكأنه قال‏:‏ ولا تفعلوا، حَاشَا ما قد سَلَفَ، وقالتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ لا تَنْكِحُوا كَمَا نَكَح آباؤكم مِنْ عقودهم الفاسدةِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ منْكم مِنْ تلك العقودِ الفاسدةِ، فمباحٌ لكم إلاقامةُ علَيْه في الإسلامِ، إذا كان ممَّا يقرِّر الإسلامُ عَلَيْه، وقيل‏:‏ إلا ما قد سَلَفَ، فهو معفوٌّ عنكم، وقال ابن زَيْدٍ‏:‏ معنى الآية‏:‏ النهْيُ عن أَنْ يطاء الرجُلُ امرأةً وطئها الأبُ، إلاَّ ما سَلَفَ من الآباءِ في الجاهليَّة مِنَ الزِّنا بالنساءِ، لا على وجه المُنَاكَحَةِ، فذلك جائزٌ لكُمْ؛ لأنَّ ذلك الزنَا كَانَ فاحشةً، والمَقْتُ‏:‏ البُغْض والاحتقار، بسبب رذيلة يفعلها الممقُوتُ، ‏{‏وَسَاءَ سَبِيلاً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بئْسَ الطريقُ والمنهجُ لِمَنْ يسلكه؛ إذ عاقبته إلى عذاب اللَّه‏.‏

قال * ص *‏:‏ «سَاءَ» للمبالغةِ فِي الذمِّ؛ ك «بِئْسَ»، وسَبِيلاً‏:‏ تفسيرُهُ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي‏:‏ سبيلُ هذا النكاحِ؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِئْسَ الشراب‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 29‏]‏، أي‏:‏ ذلِكَ الماءُ انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏23‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ حُكْمٌ حرَّم اللَّه به سبعاً من النَّسَب، وسِتًّا من بَيْنِ رضاعٍ وصهْرٍ، وأَلْحَقَتِ السنةُ المتواترةُ سابِعَةً، وهي الجَمْعُ بَيْنَ المرأةِ وعَمَّتها، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابْنِ عَبَّاس؛ أنه قال‏:‏ حُرِّمَ من النَّسَب سَبْعٌ، ومن الصِّهْرَ سَبْعٌ، وتلا هذه الآية، وقال عمرو بن سالم مِثْلَ ذلك، وجعل السابعةَ قولَهُ تعالى‏:‏ ‏{‏وَالمُحْصَنَاتُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 24‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ‏}‏، أي‏:‏ سواءٌ دَخَلَ بالبنْتِ، أو لم يَدْخُلْ، فبالعَقْدِ علَى البنْتِ حُرِّمَتِ الأُمُّ؛ هذا الذي عليه الجمهورُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ‏}‏ ذَكَرَ الأغلَبَ من هذه الأمور؛ إذ هذه حالةُ الرَّبِيبَةِ في الأكْثَر، وهي محرَّمة، وإن لم تكُنْ في الحِجْرِ، ويقالُ‏:‏ حِجْرٌ ‏(‏بكسر الحاء، وفَتْحِها‏)‏، وهو مقدَّم ثَوْبِ الإنسان وما بَيْنَ يديه منه، ثم استعملت اللفظةُ في الحِفْظِ والسَّتْر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ‏}‏، قال ابن عبَّاس وغيره‏:‏ الدخُولُ هنا الجماعُ، وجمهورُ العلماءِ يقُولُون‏:‏ إنَّ جميعَ أنواعِ التلذُّذ بالأُمِّ يُحَرِّمُ الإبنةَ؛ كما يحرِّمها الجماعُ، والحلائلُ‏:‏ جمعُ حَلِيلةٍ؛ لأنها تَحُلُّ من الزَّوْج حيث حَلَّ، فهي فَعِيلَةٌ بمعنى فَاعِلَةٍ، وذهب الزَّجَّاج وقومٌ؛ إلى أنَّها مِنْ لفظة «الحَلاَلِ»، فهي حليلةٌ بمعنى مُحَلَّلَةٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين مِنْ أصلابكم‏}‏ يخرُج مَنْ كانَتِ العربُ تتبنَّاه مِمَّنْ ليس للصُّلْب، وحُرِّمَتْ حليلةُ الابن مِنَ الرَّضَاعِ، وإنْ لم يكُنْ للصُّلْب بالإِجماع المستَنِدِ إلى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين‏}‏‏:‏ لفظٌ يعمُّ الجمْعَ بنكاحٍ وبملك يمين، وأجمعتِ الأمَّة على مَنْع جَمْعِهِمَا بنكاحٍ، ولا خلافَ في جواز جَمْعِهِمَا بالمِلكِ، ومذْهَبُ مالكٍ؛ أنَّ له أنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، والكَفُّ عن الأخرى موكولٌ إلى أمانَتِهِ، فإن أراد وطْءَ الأخرى، فيلزمه أنْ يحرِّم فَرْجَ الأولى بعتْقٍ، أو كتابةٍ، أو غَيْرِ ذلك؛ وثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنه نهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ‏"‏، وأجمعت الأُمَّة على ذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏‏:‏ استثناء منقطعٌ، معناه‏:‏ لكنْ ما قد سَلَفَ من ذلك، ووقع وأزالَهُ الإِسلام، فإن اللَّه تعالى يغفره، والإسلام يَجُبُّهُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏

‏{‏وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏24‏)‏ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏25‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات‏}‏ عطْفاً على المُحَرَّمَاتِ، قيل‏:‏ والتحصُّن التمنُّع، ومنه الحِصْن، وحصنت المرأة‏:‏ امتنعت بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلى ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب اللَّهِ عزَّ وجلَّ‏:‏ فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ؛ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة؛ لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك؛ ألا ترى إلى قول هندٍ‏:‏ «وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ»، وتستعمله في الإسلام؛ لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة؛ لأنها إذا ارتبط بها إنسانٌ، وظهرَتْ على شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ‏.‏

وحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تقوى فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض؛ كما سيأتي بيانُهُ في أماكنه ‏(‏إن شاء اللَّه‏)‏‏.‏

فقوله سبحانه في هذه الآية‏:‏ ‏{‏والمحصنات‏}‏ قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ؛ أنه سُئِلَ عن هذه الآية‏:‏ ‏{‏والمحصنات مِنَ النساء‏}‏، فقال‏:‏ نرى أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره‏:‏ قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كتاب الله عَلَيْكُمْ‏}‏‏:‏ إشارةٌ إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مثنى وثلاث وَرُبَاعَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3‏]‏؛ وفي هذا بُعْدٌ، والأظْهَرُ أنَّ قوله‏:‏ ‏{‏كتاب الله عَلَيْكُمْ‏}‏، إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ و‏{‏كتاب الله عَلَيْكُمْ‏}‏‏:‏ مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج‏:‏ ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوباً على جهة الأَمْرِ، ويكون ‏{‏عَلَيْكُمْ‏}‏ خبراً له، فيكون المعنَى‏:‏ الزموا كتابَ اللَّهِ‏.‏ انتهى‏.‏

وفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ‏:‏ ‏{‏كتاب الله عَلَيْكُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ‏}‏، قال عطاء وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم، قلْتُ‏:‏ أي‏:‏ على ما عُلِمَ تفصيله مِنَ الشريعة‏.‏

قال * ع *‏:‏ و‏{‏أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم‏}‏‏:‏ لفظٌ يجمع التزوُّجَ والشراءَ، و‏{‏مُّحْصِنِينَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ متعفِّفين، أي‏:‏ تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، ‏{‏غَيْرَ مسافحين‏}‏، أي‏:‏ غَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ‏:‏ الزنا‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ‏}‏، قال ابن عَبَّاس وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً وغيره‏:‏ إن الآية نزلَتْ في نكاح المُتْعة، قال ابنُ المُسَيَّب‏:‏ ثم نُسِختْ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نهى عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ‏}‏، أي‏:‏ مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد استقرار الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال‏:‏ الإشارةُ بهذه إلى أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المُتْعةِ، وزيادةٍ في الأجْرِ جائزٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ الطَّوْل هنا‏:‏ السَّعَة في المالِ؛ وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة»، فعلى هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ باجتماع شرطَيْنِ‏:‏ عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة»‏.‏

قال مالك في «المُدَوَّنة»‏:‏ «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ»، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل‏.‏

قال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ‏:‏ وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ؛ وقاله الطَّبَرِيُّ، وتقولُ‏:‏ طَالَ الرَّجُلُ طَوْلاً ‏(‏بفتح الطاء‏)‏؛ إذا تفضَّل، ووَجَدَ، واتسع، وطُولاً ‏(‏بضمها‏)‏‏:‏ في ضِدِّ القِصَر، و‏{‏المحصنات‏}‏ في هذا الموضع‏:‏ الحرائرُ والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفُها في الإماء، وفَتًى كذلك، و‏{‏المؤمنات‏}‏؛ في هذا الموضع‏:‏ صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ عندهم؛ قُلْتُ‏:‏ والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يؤولُ إلَيه الحالُ من استرقاق الولد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله أَعْلَمُ بإيمانكم بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ‏}‏، ومعناه‏:‏ واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيحٌ، وفي اللفظ أيضاً‏:‏ تنبيهٌ على أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ‏}‏، معناه‏:‏ بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، ‏{‏وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ‏}‏، أي‏:‏ مُهُورَهُنَّ، ‏{‏بالمعروف‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بالشَّرْع والسُّنَّة، و‏{‏محصنات‏}‏‏:‏ الظاهرُ أنه بمعنى عفيفاتٍ‏.‏

قال * ص *‏:‏ مُحْصَنَاتٍ‏:‏ منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ‏:‏ فانكحوهن مُحْصَنَاتٍ، أي‏:‏ عفائفَ‏.‏ انتهى‏.‏

والمسافِحَاتُ‏:‏ الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحداً واحداً، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة؛ قاله ابنُ عبَّاس وغيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أُحْصِنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره‏:‏ فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ»‏؟‏ فأوْجَبَ علَيْها الحدَّ» والفاحشة، هنا الزِّنا‏.‏

قال * ص *‏:‏ وجوابُ‏:‏ «إذَا»‏:‏ «فإنْ أتَيْنَ»، وجوابه‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏المحصنات‏}‏ في هذه الآية‏:‏ الحَرَائِرُ؛ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة‏:‏ المَشَقَّة‏.‏

قال ابنُ عباسٍ وغيره‏:‏ والمَقْصِدُ به هنا الزنا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ عَنْ نكاحِ الإماء؛ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ وهذا نَدْبٌ إلى التَّرْك؛ وعِلَّتُهُ مَا يؤَدِّي إلَيْه نكاحُ الإِماءِ مِن استرقاق الوَلَدِ ومِهْنَتِهنَّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 28‏]‏

‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏26‏)‏ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ‏(‏27‏)‏ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ التقديرُ عندَ سيبَوَيْهِ‏:‏ يريد اللَّهُ لأنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، ويَهْدِيَكُمْ، بمعنى‏:‏ يُرْشِدَكُمْ، والسُّنَنُ‏:‏ الطُّرُقُ، ووجوهُ الأمورِ، وأَنحاؤُها، والَّذِينَ مِنْ قبلنا‏:‏ هم المؤمِنُونَ مِنْ كُلِّ شريعةٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مَقْصِدُ هذه الآيةِ الإخبارُ عن إرَادَة الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، فقُدِّمَتْ إرادةُ اللَّه تعالى تَوْطِئَةً مُظْهِرة لفسَادِ إرادة مُتَّبِعِي الشهواتِ، واختلف المتأوِّلون في تَعْيينِ مُتَّبِعِي الشَّهَوَات، فقال مجاهدٌ‏:‏ هم الزناةُ، وقال السُّدِّيُّ‏:‏ هم اليهودُ والنصارى، وقالَتْ فرقة‏:‏ هم اليهودُ خاصَّة؛ لأنَّهم أرادوا أنْ يتبعهم المُسْلِمُونَ في نِكَاحِ الأَخَوَاتِ مِنَ الأب، وقال ابنُ زَيْد‏:‏ ذلك على العمومِ في هؤلاءِ، وفي كُلِّ متَّبعِ شهوةٍ؛ ورجَّحه الطبريُّ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أي‏:‏ لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء، قاله مجاهدٌ وغَيْره، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ؛ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده، وجعله الدِّينَ يُسْراً، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنْسَان عامًّا؛ حَسْبَما هو في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ‏(‏29‏)‏ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏30‏)‏ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الاستثناء منقطعٌ، المعنى‏:‏ لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً‏}‏، أجمع المتأوِّلون على أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضاً، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها على غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد احتج عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين امتنع مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ؛ خَوْفاً على نَفْسِهِ منه، فقرَّر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احتجاجَهُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف في المُشَارِ إلَيْه ب «ذَلِكَ»‏.‏

فقال عطاء‏:‏ «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل؛ لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ‏:‏ «ذلك» عائدٌ على أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ‏:‏ «ذَلِكَ»‏:‏ عائدٌ على كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ‏:‏ «ذَلِكَ» عائدٌ على ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قولُهُ تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النساء كَرْهاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 19‏]‏؛ لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ‏.‏

قال ابنُ العَرَبيِّ في «أحكامه» والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ‏.‏ انتهى‏.‏

والعدوانُ‏:‏ تَجَاوُزُ الحَدِّ،

قال * ص *‏:‏ ‏{‏عُدْوَاناً وظُلْماً‏}‏‏:‏ مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، أي‏:‏ معتدِّين وظالِمِينَ، أبو البقاء‏:‏ أو مفعولٌ من أجله‏.‏ انتهى‏.‏

واختلف العلماءُ في الكبائِرِ‏.‏

فقال ابنُ عبَّاس وغيره‏:‏ الكبائرُ‏:‏ كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو ما أشبه ذلك‏.‏

وقال ابن عبَّاس أيضاً‏:‏ كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ؛ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما؛ قالوا‏:‏ وإِنما قيل‏:‏ صغيرةٌ؛ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ؛ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعاً، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا‏:‏ مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها‏:‏ قوله تعالَى‏:‏ ‏{‏وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48 و116‏]‏‏.‏

و ‏{‏كَرِيماً‏}‏‏:‏ يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب؛ كما تقول‏:‏ ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛

‏"‏ أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِيناً لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ‏:‏ «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ‏:‏ ‏{‏إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية» ‏"‏ انتهى من ‏"‏ التذكرة ‏"‏ للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ ‏"‏؛ قال القرطبيُّ‏:‏ وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ؛ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعاً بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا‏.‏ انتهى‏.‏

قلْتُ‏:‏ وفي «صحيح مُسْلِمٍ»، عن أبي هريرة ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏؛ أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ‏؟‏ قَالَ‏:‏ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏32‏)‏ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ‏(‏33‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ سَبَبُ الآيةِ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ‏:‏ لَيْتَنَا اسْتَوَيْنَا مَعَ الرِّجالِ في المِيرَاثِ، وشَارَكْنَاهُمْ في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، أو نحوه، وقال الرِّجَالُ‏:‏ لَيْتَ لَنَا فِي الآخِرَةِ حَظّاً زَائِداً عَلَى النِّسَاءِ؛ كَمَا لَنَا عَلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا، فنزلَتِ الآية‏.‏

قال * ع *‏:‏ لأنَّ في تَمَنِّيهم هذا تحكُّماً على الشِّريعة وتطرُّقاً إِلى الدَّفْع في صَدْر حَكْم اللَّه تعالَى، فهذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ بخلاف حُكْم شرعيٍّ، وأما التمنِّي في الأعمال الصَّالحة، فذلك هو الحَسَن، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وَدِدتُّ أنَ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث‏.‏ وفي غير موضعٍ؛ ولقوله تعالَى‏:‏ ‏{‏وَسْأَلُواْ الله مِن فَضْلِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 32‏]‏‏.‏ قال القُشَيْرِيُّ‏:‏ سمعْتُ الشيخ أبا عَلِيٍّ يقولُ‏:‏ مِنْ علاَمَاتِ المَعْرفة أَلاَّ تسأل حوائجَكَ، قَلَّتْ أَوَ كَثُرَتْ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تعالَى مِثْلُ موسَى اشتاق إِلَى الرُّؤْية، فقال‏:‏ ‏{‏رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 143‏]‏، واحتاج مرَّةً إِلى رغيفٍ، فقال‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 24‏]‏ انتهى من «التحبير»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قالَتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ من الأجْر، والحسناتِ، فكأنه قِيلَ للنَّاس‏:‏ لا تَتَمَنَّوْا في أمرٍ مخالفٍ لما اللَّه بِهِ؛ لاختيارٍ تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ، فإِن اللَّه تعالَى قَدْ جَعَلَ لكلِّ أحدٍ نصيباً من الأجْر والفَضْلِ بحَسَب اكتسابِهِ فيما شَرَعَ لَهُ، وهذا قولٌ حَسَن، وفي تعليقه سبحانه النَّصِيبَ بالاِكتسابِ حَضٌّ علَى العَمَل، وتنبيهٌ على كَسْب الخَيْر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَسْأَلُواْ الله مِن فَضْلِهِ‏}‏، قال ابنُ جُبَيْر وغيره‏:‏ هذا في فَضْل العباداتِ، والدِّينِ، لا في فضل الدنيا، وقال الجُمْهُور‏:‏ ذلك على العمومِ، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله‏:‏ ‏{‏وَسْأَلُواْ الله‏}‏ يقتضي مفْعولاً ثانياً، تقديره‏:‏ واسألوا اللَّهَ الجَنَّة أو كثيراً من فضله‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ أي‏:‏ ولكلِّ أحدٍ، قال ابنُ عَبَّاس وغيرهِ، المَوَالِي هنا العَصَبَةُ والوَرَثَةُ، والمعنَى‏:‏ ولكلِّ أحدٍ جعلْنا موالِيَ يَرِثُونَ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين‏}‏ رفْعٌ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله‏:‏ ‏{‏فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ‏}‏‏.‏

واختُلِفَ من المراد ب «الَّذِينَ»‏.‏

فقال الحسن وابنُ عبَّاس وابنُ جُبَيْر وغيرهم‏:‏ هم الأحْلاَفُ، فإِنَّ العرب كانَتْ تتوارَثُ بالحِلْفِ، ثم نُسِخَتْ بآيَات الأنْفَالِ‏:‏ ‏{‏وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏‏.‏

وقال ابنُ عباس أيضاً‏:‏ هم الذين كَانَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخَى بينهم، كانوا يتوارَثُونَ بهذه الآيةِ؛ حتى نُسِخَ ذلك بما تقدَّم‏.‏

وقال ابنُ المسيَّب‏:‏ هم الذين كانوا يُتَبَنَّوْن‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولفظةُ المُعَاقَدَةِ والأَيْمَانِ ترجِّح أنَّ المراد الأَحْلاَفُ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ‏(‏34‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الرجال قَوَّامُونَ‏}‏ بناء مبالَغَةٍ، وهو من القِيَامِ على الشيْءِ والاِستبدادِ بالنَّظَر فيه، وحِفْظِهِ، فقيامُ الرِّجَال على النساء هو علَى هذا الحدِّ، وتعليلُ ذلك بالفضيلة والنَّفَقةِ يقتضي أنَّ للرجالِ علَيْهِنَّ استيلاءً، قال ابنُ عَبَّاس‏:‏ الرِّجَالُ أمراء على النِّسَاءِ‏.‏

قال ابنُ العَرَبِّيِّ في «أحكامه»‏:‏ وللرِّجَالِ عليهنَّ درجةٌ؛ لفَضْلِ القَوَّامِيَّة، فعلَيْه أنْ يَبْذُلَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، وَحُسْنَ العِشْرة، وَيَحْجُبَهَا ويأمُرَهَا بطَاعَةِ اللَّه تعالَى، ويُنْهِيَ إِلَيْهَا شَعَائِرَ الإِسلامِ؛ مِنْ صلاةٍ، وصيامٍ؛ وما وَجَب عَلَى المُسْلمين، وعلَيْها الحِفْظُ لمالِهِ، والإِحسانُ إِلَى أهْلِهِ، والاِلتزامُ لأَمْرِهِ في الحجبة وغيرها إِلاَّ بإِذنه، وقَبُولُ قولِهِ في الطَّاعات‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏"‏ ما ‏"‏ مصدريةٌ في الموضِعَيْنِ، والصَّلاَحُ في قوله‏:‏ ‏{‏فالصالحات‏}‏ هو الصلاحُ في الدِّين، و‏{‏قانتات‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مطيعاتٌ لأزواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزواجِهِنَّ، ‏{‏حافظات لِّلْغَيْبِ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لكلِّ ما غاب عَنْ عَلْم زَوْجِها ممَّا اسْتُرْعِيَتْهُ، وروى أبو هريرة، أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا ‏"‏، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِمَا حَفِظَ الله‏}‏‏:‏ «ما»‏:‏ مصدريةٌ، تقديره‏:‏ بِحِفْظِ اللَّه، ويصحُّ أنْ تكون بمعنى «الَّذِي» ويكون العائدُ في «حَفِظَ» ضميرَ نَصْبِ، أي‏:‏ بالذي حَفِظَهُ اللَّهُ، ويكون المعنَى‏:‏ إِمَّا حِفْظُ اللَّهِ ورعايَتُه الَّتي لا يَتِمُّ أمْرٌ دونها، وإِما أوامره ونَوَاهيه للنساء، فكأنها حِفْظُهُ، بمعنى أنَّ النساء يَحْفَظْنَ بإِزاء ذلك وبقَدْرِهِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ النُّشُوزُ‏:‏ أنْ تتعوَّج المرأة، ويرتفع خُلُقُها، وتَسْتَعْلِيَ عَلَى زَوْجها‏.‏

‏{‏واهجروهن فِي المضاجع‏}‏‏:‏ قال ابن عبَّاس‏:‏ يضاجِعُها، ويولِّيها ظَهْرَهُ، ولا يجامِعُهَا، وقال مجاهدٌ‏:‏ جنبوا مُضاجَعَتَهُنَّ، وقال ابنُ جُبَيْر‏:‏ هي هِجْرة الكلام، أيْ‏:‏ لا تكلِّموهُنَّ، وأعرضوا عَنْهُنَّ، فيقدَّر حذفٌ، تقديره‏:‏ واهجروهُنَّ في سبب المَضَاجِعِ، حتَّى يُرَاجِعْنَهَا‏.‏

* م *‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فِي المضاجع‏}‏، ذكر أبو البقاءِ فيه وجْهَيْن‏:‏

الأول‏:‏ أنَّ «في» علَى بابها مِنَ الظرفية، أي‏:‏ اهجروهنَّ في مواضِعِ الاِضطجاعِ، أي‏:‏ اتركوا مضاجَعَتَهُنَّ دون تَرْك مكالمتهن‏.‏

الثاني‏:‏ أنَّها بمعنى السَّبَب، أي‏:‏ اهجروهنَّ بِسَبَبِ المَضَاجِعِ؛ كما تقول‏:‏ في هذه الجنايةِ عُقُوبَةٌ‏.‏ انتهى، وكونُها للظرفيَّة أظهرُ، واللَّه أعلم‏.‏

والضَّربُ في هذه الآية‏:‏ هو ضَرْبُ الأدب غَيْرُ المُبَرِّح، وهو الذي لا يَكْسِرُ عَظْماً، ولا يَشِينُ جارحةً، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اضْرِبُوا النِّسَاءَ؛ إِذا عَصَيْنَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ ‏"‏ قال عطاء‏:‏ قُلْتُ عَبَّاسٍ‏:‏ مَا الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بِالشِّرَاكِ وَنَحْوِه‏.‏

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ قوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏واضربوهن‏}‏ ثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلاَّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِع، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِن انْتَهَيْنَ، فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ‏"‏

وفي هذا دليلٌ علَى أنَّ الناشز لا نَفَقَةَ لَهَا ولا كُسْوة، وأنَّ الفاحشة هي البَذَاءُ ليس الزِّنَا؛ كما قال العلماء، ففسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الضرْبَ، وبَيَّن أنه لا يكونُ مُبَرِّحاً، أي‏:‏ لا يَظْهَر له أثَرٌ على البدن‏.‏ انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذه العظةُ والهَجْر والضَّرْب مراتبُ، إِنْ وقعتِ الطاعةُ عنْدَ إِحداها، لم يتعدَّ إِلى سائرها، و‏{‏تَبْغُواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تَطْلُبُوا، و‏{‏سَبِيلاً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ إِلى الأذَى، وهو التعنيتُ والتعسُّف بقَوْلٍ أو فعلٍ، وهذا نهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ، وحَسُنَ هنا الاِتصافُ بالعلوِّ والكِبْر، أي‏:‏ قَدْرُهُ سبحانه فَوْقَ كُلِّ قدْرٍ، ويده بالقُدْرة فَوْق كلِّ يدٍ؛ فلا يستعلي أحدٌ بالظُّلْم على امرأتِهِ، فاللَّه تعالَى بالمرصاد، وينظر إِلَى هذا حديثُ أبي مسعودٍ، ‏"‏ قَالَ‏:‏ كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمِي، فَسَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ‏:‏ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَصَرَفْتُ وَجْهِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ؛ أنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا العَبْدِ‏.‏‏.‏‏.‏» ‏"‏‏.‏